محطة إزالة الأملاح المعدنية ترى النور بمركز القباب بعد سنوات من العطش والمعاناة
متابعة : خالد علواني
في تحول نوعي طال انتظاره لعقود، بدأت جماعة القباب بإقليم خنيفرة في جني ثمار نضال ساكنتها الطويل من أجل الحق في الماء الصالح للشرب، مع انطلاق مشروع إنجاز محطة حديثة لإزالة الأملاح المعدنية، في خطوة تعدّ ثمرة لتراكمات من التحركات الاحتجاجية والإعلامية، والترافع المستميت من فعاليات محلية غيورة على الشأن العام بالأطلس المتوسط.
عطش مزمن ومعاناة مستمرة لسنوات طويلة، عانت ساكنة القباب والضواحي من شح خانق في مياه الشرب. لم يكن التزود بالماء يتجاوز ساعة إلى ساعتين كل 48 ساعة، في منطقة يثقلها الجفاف وتزيدها حرارة الصيف اختناقا. ورغم تنامي الأزمة وارتفاع أصوات المواطنين، ظلت النداءات تصطدم بصمت الجهات المعنية، ما أجبر السكان على طرق أبواب الإعلام والاحتجاج.
ورغم كل الإكراهات، لم تكلّ الساكنة عن التنديد بهذه المعاناة. فتحت شعار “الماء حق لا امتياز”، خرج المواطنون إلى العلن، معلنين رفضهم لسياسة اللامبالاة، ليطلقوا صرخة جماعية أرغمت الجميع على الاستماع.
دور الإعلام والاحتجاج: من الصرخة إلى الحل في لحظة فاصلة، حطّت كاميرا القناة الثانية (2M) رحالها بمنطقة بولفت والمركز الحضري لقباب، لتوثق الأزمة بالصوت والصورة، ضمن برنامج خاص استدعي للمساهمة فيه عدد من أبناء المنطقة الغيورين، العاملين في الحقل الإعلامي الوطني. الصور القادمة من قلب المعاناة كانت كافية لهزّ الضمائر، وإحراج المسؤولين الذين ظلوا يتحصنون خلف جدران الصمت.
الاحتجاج الشعبي بلغ ذروته بخروج مسيرة سلمية في اتجاه عمالة الإقليم، رافقتها بعض المنابر الإعلامية، لتجد هذه المرة آذانا صاغية، إذ خرج السيد الكاتب العام للعمالة بمعية رئيس قسم الشؤون الداخلية، وتم فتح حوار مباشر مع المحتجين انتهى بتقديم وعد رسمي بإيجاد حل جذري، تحت إشراف السيد عامل لاقليم خنيفرة محمد عادل إهوران.
تفاصيل المشروع استجابة فعلية لنداء العطش وفاء بالوعد، وبتعاون بين عدد من المتدخلين، انطلقت أشغال مشروع محطة لإزالة الأملاح المعدنية من مياه الشرب، المجلوبة من ثلاث موارد مائية بالمنطقة. ويأتي المشروع استجابة واقعية وملموسة لأحد أكبر التحديات اليومية التي تؤرق ساكنة القباب.
مكونات المشروع:
– صاحب المشروع: وزارة الداخلية.
– صاحب المشروع المنتدب: الشركة الجهوية متعددة الخدمات (سوس ماسة).
– الإشراف والتتبع والتوزيع: الوكالة المستقلة الجماعية لتوزيع الماء والكهرباء بتادلة.
– المساعدة التقنية: ADI.
– شركة الإنجاز: WATEC.
– مدة الإنجاز: 8 أشهر.
– التكلفة الإجمالية: 9 ملايين درهم.
يشمل المشروع إنجاز وتجهيز ثقب مائي بقدرة 7.5 لتر في الثانية، إلى جانب إنشاء وتثبيت محطة متنقلة لإزالة المعادن بطاقة 3 لترات في الثانية، بالإضافة إلى منشآت مرافقة، وإمداد الطاقة عبر خط كهربائي (BT / HT)، مع إنشاء قنوات نقل المياه الخام إلى وحدات المعالجة.
خطوة في الاتجاه الصحيح يمثل هذا المشروع نقلة نوعية في تدبير الموارد المائية بالمنطقة، إذ سيساهم في التخفيف من الضغط الشديد على شبكات التزود بالماء الشروب، ويقلل من حدة المعاناة اليومية التي تكابدها الأسر، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية الحادة وموجات الجفاف المتكررة.
وإن كانت المبادرة محط إشادة واستبشار من قبل عموم المواطنين، فإن الشكر يتوجه بشكل خاص للسلطات الإقليمية، وفي مقدمتها عمالة الإقليم، التي تعاملت مع الملف بروح المسؤولية والتجاوب، وكذا السلطة المحلية التي وضعت لسنوات بين مطرقة احتجاجات المواطنين وسندان القوانين والمحدودية التقنية.
رسالة إلى السياسيين: “لسنا صورا للعرض!” المثير في المشروع، هو حرص بعض المنتخبين المحليين على الظهور في الصور بموقع المشروع، رغم أن أصواتهم غابت طيلة سنوات الأزمة. وبحسب تعبير عدد من سكان المنطقة، فإن هؤلاء لا صلة لهم بالمبادرة إلا بحكم الموقع الجغرافي للمشروع، ولا يسجل لهم أي تفاعل جدي أو تدخل فاعل أثناء اشتداد الأزمة. هذا السلوك السياسي البارد أثار الكثير من الانتقادات، خاصة بعد أن تبين للساكنة أن بعض “الهواتف السياسية” كانت “خارج التغطية” عندما كانت الحاجة ماسة إلى المرافعة.
في ختام إن مشروع إزالة الأملاح المعدنية بمركز القباب ليس فقط مشروعا تقنيا أو بنية تحتية جديدة، بل هو تتويج لنضال جماعي وشهادة على أن صوت المواطن حين يرفع بإصرار، يمكن أن يحدث فرقا. ويبقى الأمل معقودا على مواصلة مثل هذه الديناميات لتشمل باقي القطاعات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والبنية التحتية، بما يضمن كرامة المواطن في ربوع الأطلس المتوسط.






