السمارة ـ هشام العباسي
تُعد مدينة السمارة من أبرز الحواضر الصحراوية التي شهدت تطوراً دينياً وثقافياً هاماً، بفضل استقرار عدد من العائلات الشريفة فيها، مثل الشيخ سيدي أحمد الركيبي و الشيخ بن عبد الله ، الذين يرجع نسبهم إلى أقطاب التصوف المغربي كعبد السلام بن مشيش، أو إلى مؤسس الدولة الإدريسية إدريس الأول.
هذه العائلات الشريفة لم يكن لها شأن في النسب فقط، بل أدت أدواراً محورية في نشر تعاليم الدين الإسلامي، وتعزيز قيم التسامح، وتكريس مكانة العلم والمعرفة. فقد كانوا أئمة ومعلمين، وأحياناً قادة رأي يساهمون في حماية السكان من الغارات والأطماع الأجنبية، كما مثلوا جسراً يربط بين قبائل المنطقة وسلطات الدولة المركزية.
ومع مرور الوقت، بدأت مدينة السمارة تكتسب أهمية استراتيجية ودينية متزايدة، خاصة بعد تأسيس الزوايا والمدارس العتيقة. وقد برزت الزاوية الناصرية، ثم الزاوية الشيخية لاحقاً، كمراكز روحية وعلمية ساهمت في ترسيخ الدين الإسلامي في الصحراء، ودعمت نشر التصوف السني المعتدل القائم على المحبة والورع والزهد.
وكان للأشراف والمتصوفة دور أساسي في تمويل هذه الزوايا، وتأمين استمراريتها، وتوفير الحماية لها من التهديدات الخارجية. وساهم هذا التمازج بين الدين والنسب والعلم في خلق نسيج اجتماعي متماسك ومتجذر في التقاليد الإسلامية والوطنية.
وبفضل هذه الدينامية الدينية والاجتماعية، تحولت السمارة إلى مركز روحي وثقافي بارز في الصحراء المغربية، تستقطب الطلاب والفقهاء والمتصوفة من مختلف الأرجاء، مما ساهم في تعزيز وحدة القبائل وتثبيت الأمن الروحي والفكري.
يُعد الشيخ سيدي أحمد الركيبي من أبرز الشخصيات الدينية والروحية التي كان لها أثر بالغ في تاريخ الصحراء المغربية. ينتمي هذا الشيخ الجليل إلى سلالة شريفة تعود في نسبها إلى مولاي عبد السلام بن مشيش، ومنه إلى الولي الصالح إدريس الأول، مؤسس الدولة الإدريسية. وقد ساهم هذا النسب الشريف في منحه مكانة روحية مرموقة لدى القبائل الصحراوية.
استقر سيدي أحمد الركيبي في مناطق متعددة من الصحراء، وكان له حضور خاص في السمارة، التي أصبحت لاحقاً مركزاً دينياً بفضل الزوايا التي نشأت بإلهام من سيرته، وأهمها الزاوية الشيخية التي حملت إرثه ومبادئه.
وقد عُرف الشيخ بسعة علمه وتقواه، وكان مرجعاً في نشر الإسلام وتعاليمه الوسطية، كما لعب دوراً مهماً في الصلح بين القبائل، وحماية السكان من الفتن والغزوات. جمع بين الورع الصوفي والحكمة القبلية، مما جعله محل احترام وتقدير واسع النطاق.
وساهم أتباعه ونسله، المعروفون بلقب الركيبات، في حمل مشعل العلم والدين، وأسّسوا زوايا ومساجد، ونقلوا علوم الشيخ إلى الأجيال المتعاقبة. وكان لهذا الدور أثر كبير في تعزيز الوحدة الدينية بالصحراء، وترسيخ المرجعية المغربية في مواجهة التيارات الدخيلة.
فا منذ قرون، لم تكن السمارة مجرد مدينة صحراوية، بل كانت محطة استراتيجية ودينية بارزة في المسار التاريخي الذي سلكه ملوك الدولة المغربية نحو إفريقيا جنوب الصحراء، وخاصة نحو موريتانيا، السنغال ومالي. فقد شكّلت هذه المدينة معبراً رئيسياً للقوافل السلطانية والدعوية والعلمية، ومركزَ لقاء بين السلاطين والقبائل الصحراوية ذات الولاء التاريخي للعرش العلوي.
ومن بين أبرز الملوك الذين مروا منها:
1. السلطان مولاي إسماعيل (1672-1727):
اهتم بتوطيد النفوذ المغربي في الصحراء، واعتمد على القبائل الموالية المرتبطة بالبيعة والروابط الروحية بالدولة، ومرّ عبر مسارات تمر من جهة السمارة لتأمين الطرق وحماية القوافل.
2. السلطان مولاي الحسن الأول (1873-1894):
قام برحلة مشهورة إلى الجنوب، واستُقبل من طرف قبائل السمارة التي أمّنت مساره. هدفت هذه الزيارة إلى بسط سلطة الدولة وتعزيز علاقتها بالزوايا والقبائل.
3. السلطان محمد الخامس:
في فترات ما قبل الاستقلال، كانت السمارة محل اهتمام في إطار استعادة الروابط التاريخية مع الجنوب، وكان سكانها من أوائل من جدّدوا البيعة بعد الاستقلال.
4. الملك الحسن الثاني:
أعاد التأكيد على الأهمية الجغرافية والدينية للسمارة ضمن مشروع المغرب الإفريقي القائم على العمق الروحي والعلاقات مع شعوب الساحل.
5. الملك محمد السادس:
كرّس عبر زياراته المتكررة لدول غرب إفريقيا هذا الامتداد الطبيعي للمغرب، وأسس شراكات استراتيجية تعيد الاعتبار لدور القبائل الصحراوية كوسطاء في التجارة والدعوة والثقافة.
وقد ساهمت الزوايا الدينية في السمارة -كزاوية سيدي أحمد الركيبي، والزوايا الناصرية والتيجانية– في تقوية هذه الروابط من خلال بعثات علمية وصوفية وصلت إلى تمبكتو، وسان لوي، ونجامينا. وكانت القبائل الصحراوية الحاضنة لهذا الدور تربطها وشائج الولاء والطاعة بالدولة المغربية، وتعتبر نفسها حامية للمسالك والوفود الرسمية والروحية.
شهادات وبراهين تاريخية تثبت أسبقية الرقيبات في السمارة
1. المخطوطات المحلية:
تحتفظ عائلات الركيبات بمخطوطات تذكر أن سيدي أحمد الركيبي هو من حفر أول بئر في السمارة، وأن قبيلته كانت تقيم فيها مواسم سنوية قبل القرن التاسع عشر.
وثيقة نادرة من خزانة زاوية أهل الشيخ ماء العينين (نُشرت في كتاب “تاريخ الصحراء المنسي” للمؤرخ أحمد السعيدي) تذكر أن الشيخ ماء العينين استأذن الرقيبات لبناء زاويته في أرضهم.
2. شهادات المستكشفين والضباط الأوروبيين:
الضابط الإسباني خوليو سيرفانتيس (1875):
> “السمارة موقع تابع لقبيلة الركيبات، يستخدمونه كمحطة للقوافل، ولهم فيها آبار وأراض زراعية”.
المستشرق الفرنسي رينيه باسيه (1890):
> “عندما زرت السمارة، وجدتها قرية صغيرة يسكنها الركيبات، ولم يكن للشيخ ماء العينين أي وجود فيها بعد”.
3. الآثار المادية:
مقبرة الركيبات: جنوب المدينة، تضم شواهد قبور تعود إلى سنة 1780م حسب تقرير المعهد الوطني للتراث المغربي.
4. الروايات الشفوية المحايدة:
من كتاب “أنساب الصحراء”:
> “السمارة كانت دارًا للرقيبات منذ أيام جدنا سيدي بلال، وكانت تُعرف بتيرس الرقيبات قبل أن تُعرف بالسمارة”.
شهادة عالم موريتاني (1960):
> “الشيخ ماء العينين دخل السمارة بصلح مع الرقيبات، ولو كان هو المؤسس لما احتاج إلى مفاوضات معهم”.
5. تناقض الروايات العينينية:
في كتاب “الدرر المفاخر” –المؤيد للشيخ ماء العينين– يُقال إن الشيخ “وجد السمارة خالية إلا من بعض الرعاة”، وهو ما يناقض الوثائق الإسبانية التي تؤكد وجود قرى للرقيبات.
هذه الأدلة المتنوعة تؤكد أن:
1. الرقيبات أسسوا السمارة كقرية صغيرة قبل القرن التاسع عشر.
2. الشيخ ماء العينين وسّعها وجعلها مركزاً دينياً، لكنه لم يكن المؤسس.
وتوجد زاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي في منطقة مول الحبشي 120 كلم عن شرق مدينة السمارة مرورا بوادي الساقية الحمراء ، البطينة ، عقلــة أسدام ، وادي النبط ، عريضــة أم بدوز ، القاعة ، قاعة الشبابين ، فدرة التمات ، وبينهما الشب الجنوبي والشب الشمالي ، ثم التمات التي تصب في وادي الحبشي، وهي زاوية تاريخية ما تزال تحظى بالتقدير والزيارة من قبل الجميع وقد شكّلت منذ تأسيسها مركزاً دينياً واجتماعياً في الصحراء المغربية، كما تشير المصادر الشفوية وبعض الوثائق المحلية إلى أن الشيخ سيدي أحمد الركيبي توفي حوالي سنة 1815 ميلادية، ودفن في نفس الزاوية التي أصبحت بعد وفاته مزاراً روحياً ومكاناً لإحياء المواسم الدينية.
ولا يمكن الحديث عن السمارة دون الإشارة إلى التأثير العميق للشيخ الركيبي، الذي جمع بين الهوية الدينية والبعد الوطني، وساهم بشكل غير مباشر في توطيد الارتباط الروحي والرمزي بين ساكنة الصحراء والدولة المغربية، وهي اليوم رمز لوحدة الذاكرة الدينية والوطنية في الصحراء المغربية.


