بقلم // محمد الموا
في لحظة كان يُفترض أن تكون كروية خالصة، انكشف الفرق بوضوح بين ثقافتين في التشجيع، وبين فهمين لمعنى الانتماء للمنتخب وللعبة نفسها.
بينما اختارت فئة محدودة العشوائية والعربدة، والتكسير والتحريض، كانت الغالبية الساحقة من الجماهير المغربية ثابتة في أماكنها، تتابع المشهد بقلق واستغراب، غير مستوعبة كيف تحوّل جزء من المدرجات إلى مساحة للفوضى بدل أن تكون فضاءً للتشجيع. جماهير جاءت لتساند منتخبها، لتفرح أو تحزن، لا لتخرب أو تفرض حضورها بالقوة.
أولئك القلّة ظنّوا، بسذاجة، أن الفوضى بلا سقف، وأن الانفلات يمكن أن يمر دون حساب. لكن الرد جاء في وقته، وبالطريقة التي يجب أن تكون: عبر مؤسسات إنفاذ القانون، لا عبر الفوضى المضادة ولا منطق “شرع اليد”.
ما حدث لم يكن مجرد شغب معزول، بل اختبارًا حقيقيًا لصورة الجماهير أمام أنظار مسؤولي الفيفا والكاف، والإعلام الأجنبي، وكل من تابع اللقاء. وقد كانت النتيجة واضحة: جهة واحدة غارقة في الفوضى، في مقابل جهات متعددة جسّدت الانضباط والوعي والمسؤولية.
الأكثر دلالة أن هذا السلوك الحضاري لم يكن ظرفيًا. فقد استمر الانضباط حتى بعد نهاية المباراة، وحتى بعد ضياع الكأس في مشهد مؤلم. ورغم الإحباط، غادرت الجماهير المغربية المدرجات بهدوء ونظام، دون اعتداء، دون احتجاج فوضوي، ودون تحميل الحكم أو المنظمين مسؤولية ما حدث.
لأن هذه الجماهير تؤمن بأن كرة القدم لعبة تحكمها قواعد، وبأن الحقوق لا تُنتزع بالصراخ ولا بالتخريب، بل تُطالب بها داخل المؤسسات وبالطرق القانونية. تؤمن بأن الانفعال لحظة، لكن العواقب قد تدوم.
ما جرى رسالة واضحة: قوة الجماهير لا تُقاس بقدرتها على التخريب، بل بقدرتها على ضبط النفس، واحترام القانون، وحماية صورة بلدها حتى في أصعب اللحظات. وهذه، في حد ذاتها، بطولة لا تُسرق.



