بقلم: محمد الموا
في أروقة النقاشات، وفي خضم الجدل المتجدد حول خيارات الانتماء، يبرز دائماً ذلك السؤال المستفز والسطحي: “ماذا قدم لك هذا الوطن لتختاره؟”. سؤال يختزل الأوطان في أرقام وفواتير ومصالح مادية، ويتناسى أن الانتماء لا يخضع أبداً لمنطق الربح والخسارة. ولعل أعظم صفعة لهذا المنطق التجاري البائس، هي قصة الأسطورة ليونيل ميسي.
لنسأل أنفسنا بصدق: ماذا قدمت الأرجنتين لميسي الطفل؟
الإجابة القاسية والموجعة هي: لا شيء.
طفل صغير يعاني من مرض معقد ونقص في هرمون النمو، يواجه شبح تبخر حلمه الكروي وحياته الطبيعية. طرق أبواب أندية بلده، فكان الرد هو الصد والرفض التام بحجة العجز عن تحمل تكاليف العلاج الباهظة. الأرجنتين، كوطن ومؤسسات رياضية، تخلت عنه في أحلك لحظات ضعفه ولم تمد له يد العون.
في الضفة الأخرى، فتحت إسبانيا ذراعيها. احتضنته أكاديمية برشلونة وهو بالكاد يبلغ الحادية عشرة من عمره، تائهاً لا يعرف ماذا يخبئ له القدر. إسبانيا هي من تكفلت بكل شيء: مصاريف العلاج الدقيقة، الرعاية النفسية، التكوين الرياضي، وحتى صناعة المجد والشهرة. على الأراضي الإسبانية، تحول ذلك الطفل المريض إلى أعظم من لمس كرة القدم، وهناك كُتبت أسطورته بأحرف من ذهب. لولا أن إسبانيا آمنت به وعالجته، ربما لم يكن العالم ليسمع باسم ميسي قط، وربما انتهى به المطاف مجرد موهبة مجهضة في أزقة روساريو.
وماذا كان رد الجميل الأرجنتيني؟
لسنوات طوال، وقبل معجزة كأس العالم 2022، كان ميسي عرضة لأقسى حملات التخوين والهجوم من أبناء جلدته. عايروه بأنه “إسباني الهوى”، هاجموه بضراوة في كل إخفاق دولي، شككوا في وطنيته، ووضعوه دائماً في مقارنة ظالمة ومجحفة مع دييغو مارادونا، مفضلين الأخير عليه. لم يشفع له سحره الكروي عند الأرجنتينيين إلا بعد أن جلب لهم كأس العالم في قطر، حينها فقط تذكروا أنه ابنهم البار وأصبح محبوبهم الأول.
ومع كل هذا الجحود الأرجنتيني القاسي، والعطاء الإسباني اللامحدود، عندما حانت لحظة الاختيار الحاسم في بداية مسيرته، لم يتردد ميسي للحظة. رمى كل الإغراءات الإسبانية خلف ظهره، وفضّل قميص “التانغو”. اختار الوطن الذي رفض علاجه، على حساب البلد الذي صنع مجده ومنحه الحياة.
لماذا؟ لأن بوصلة القلب لا تُشترى، ولأن الانتماء ليس فاتورة طبية تُسدد، ولا عقد رعاية يُبرم.
وهنا نعود لمن يسأل بسذاجة أو بخبث، محاولاً التشكيك في من يختارون جذورهم: “ماذا أعطى المغرب لأبنائه لكي يختاروه؟”.
نقول لهم بلسان ميسي وتاريخه: لو كان الانتماء يُقاس بما يعطيه الوطن من مستشفيات أو أموال أو أكاديميات، لما رأينا ميسي يقاتل بقميص الأرجنتين. الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية تقدم لك الخدمات، الوطن هو الجذر، هو الهوية التاريخية، هو الدم الذي يسري في العروق، هو حضن الأجداد الذي لا يمكن لأي مجد أو شهرة في الغربة أن تعوضه.
الانتماء قضية روح، ومن يبحث عن المبررات المادية والمكاسب ليحب وطنه، لن يفهم أبداً كيف يرفض طفل مريض جنة إسبانيا المضمونة، ليقاتل من أجل قميص بلدٍ لم يقدم له يوماً حبة دواء واحدة.



