متابعة // المو عزيز – الفقيه بن صالح
في زمن تتسارع فيه التحولات المناخية وتتعاظم فيه المخاطر البيئية، لم يعد دور الوقاية المدنية يقتصر على التدخل بعد وقوع الحوادث، بل أصبح عنواناً لرهان وطني يقوم على الاستباق والتخطيط وإدارة المخاطر. وفي هذا السياق، خلدت القيادة الجهوية للوقاية المدنية بجهة بني ملال خنيفرة، يوم فاتح مارس، اليوم العالمي للوقاية المدنية، تحت شعار: “إدارة المخاطر البيئية من أجل مستقبل مرن ومستدام”، في محطة جمعت بين استعراض الحصيلة وتوجيه رسائل للمستقبل.
المعطيات الرسمية المقدمة بالمناسبة كشفت أن سنة 2025 سجلت على الصعيد الوطني 611.222 تدخلاً، بارتفاع يفوق 11 في المائة مقارنة بالسنة الماضية. رقم لا يُقرأ فقط كمؤشر نشاط، بل كإشارة واضحة إلى تزايد الطلب على خدمات الإغاثة والإنقاذ في ظل تحولات اجتماعية ومناخية متسارعة.
وتوزعت التدخلات بين:
378.635 عملية إسعاف وإنقاذ،
169.583 تدخلاً في حوادث السير،
16.998 عملية لإخماد الحرائق،
30.139 تدخلاً خلال موسم الاصطياف مرتبطاً بحوادث الغرق،
15.867 تدخلاً في مهام متنوعة.
أما الحصيلة البشرية، فبلغت 6.817 حالة وفاة و635.133 مصاباً بجروح متفاوتة الخطورة، وهي أرقام تعكس كلفة بشرية تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، تعزيز ثقافة الوقاية داخل المجتمع.
الرسالة الأبرز التي طغت على الاحتفال لم تكن احتفالية بقدر ما كانت تحذيرية-توجيهية. فالظواهر المناخية القصوى، من فيضانات وحرائق غابات وموجات حر وجفاف، لم تعد أحداثاً معزولة، بل أصبحت نمطاً متكرراً يفرض إعادة ترتيب الأولويات.
التأكيد كان واضحاً: المقاربة الاستباقية أقل كلفة وأكثر نجاعة من التدخل بعد وقوع الكارثة. وهو تحول في الفلسفة العملياتية من رد الفعل إلى التخطيط المسبق، ومن تدبير الأزمة إلى إدارة المخاطر.
كما تم التنبيه إلى أن بعض السلوكيات البشرية، مثل التوسع العمراني غير المنظم والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، تضاعف من حدة المخاطر وتحولها إلى تهديدات مباشرة للسلامة العامة.
الاحتفال لم يقتصر على الطابع الرسمي، بل انفتح على المجتمع من خلال أيام مفتوحة لفائدة التلاميذ وممثلي المجتمع المدني، تضمنت:
مناورات ميدانية تحاكي حالات الطوارئ،
ورشات في الإسعافات الأولية،
عروضاً للتجهيزات والمعدات الحديثة.
هذا البعد التواصلي يعكس توجهاً نحو إشراك المواطن في منظومة السلامة، باعتبار أن الوقاية مسؤولية مشتركة وليست مهمة جهاز مؤسساتي فقط.
إذا كانت الحصيلة الرقمية تعكس جاهزية عملياتية مهمة، فإن التحديات البيئية المتنامية تضع الوقاية المدنية أمام رهانات أكبر، خاصة في جهة تعرف تنوعاً جغرافياً بين مناطق جبلية وسهول وأحواض مائية، ما يجعلها عرضة لمخاطر متعددة.
ويبقى الرهان الأساس هو ترسيخ وعي جماعي يعتبر أن ثقافة السلامة ليست رد فعل ظرفياً، بل سلوكاً يومياً يبدأ من احترام قواعد السير، ويمر عبر الحذر في الفضاءات الطبيعية، وينتهي بالالتزام بتوصيات السلامة في مختلف الأنشطة.
في المحصلة، احتفال هذه السنة لم يكن مجرد مناسبة رمزية، بل لحظة تقييم صريحة ورسالة واضحة: المستقبل الآمن يُبنى بالوقاية، لا بانتظار الكارثة.





