الرياضة المغربية إلى أين؟
بقلم: فرحات يوسف
في ظل الإنجازات غير المسبوقة التي تشهدها كرة القدم المغربية بمختلف فئاتها، على المستويين القاري والعالمي، والتي تُوجت ببلوغ المركز الثامن دولياً، يبرز الدور المحوري للسياسة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتوجيهاته السامية في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية حول الرياضة المغربية بالصخيرات سنة 2008، الداعية إلى تطوير البرامج الرياضية والنهوض بجميع التخصصات.
ومع ذلك، لا تزال هناك رياضات أخرى تراوح مكانها، عاجزةً عن تحقيق أي نتائج تُذكر على المستويات العربية أو القارية أو العالمية. هذا التباين يطرح تساؤلات ملحة: أين يكمن الخلل؟ هل هو في المنظومة الرياضية برمتها، أم في القائمين على الجامعات الرياضية؟ إننا نرى جامعات لم تقدم النتائج المنتظرة، بل تواجه بعضها أزمات هيكلية واختلالات تدبيرية، فضلاً عن غياب الوضوح في وضعيتها القانونية. وهنا نعيد طرح السؤال: من المسؤول عن هذا الجمود؟ هل هي الوزارة الوصية، أم رؤساء الجامعات الذين عمّر بعضهم طويلاً في مناصبهم دون تحقيق نتائج ملموسة؟ خاصة إذا علمنا أن بعض الرياضات الأولمبية لم تحصد أي ميدالية منذ سنوات طوال، باستثناء الإنجازات الفردية للبطل العالمي والأولمبي سفيان البقالي.
وفي محور آخر من هذا الملف، نجد ظاهرة هجرة الأبطال المغاربة؛ حيث بات الكثير ممن ولدوا وترعرعوا في المغرب، وخضعوا لتكوين رياضي وطني خالص، يختارون تمثيل دول أخرى أوروبية أو عربية. فما الذي وجده هؤلاء الأبطال لدى الآخرين ولم يتوفر لهم في وطنهم؟
وتصبُّ كل هذه الأسئلة في جوهر واحد: غياب العناية والاهتمام بأبطالنا في مختلف الرياضات، وعدم إنشاء مراكز تدريب متطورة تستجيب للمعايير الحديثة لتطوير أدائهم، فضلاً عن ضعف الاهتمام بالفئات الصغرى التي تُعد النواة الحقيقية لكل الأنواع الرياضية.
ولعل ما يثير الانتباه أن عدداً من هذه الإشكالات سبق أن تم تشخيصها في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية حول الرياضة المغربية بالصخيرات، بتاريخ 24 أكتوبر 2008، والتي تطرقت إلى قضايا الحكامة والتدبير والتكوين والتأطير والبنيات التحتية، كما أولت أهمية للرياضة المدرسية والجامعية ودورها في اكتشاف المواهب وصقلها. وهنا يطرح نفسه سؤال مشروع: بعد مرور كل هذه السنوات، إلى أي حد نجحنا في تنزيل هذه التوجيهات على أرض الواقع، ولماذا لا تزال بعض الإشكالات مطروحة في عدد من الرياضات؟ الرسالة الملكية حول الرياضة المغربية بالصخيرات
ومن هنا، لا يمكن الحديث عن مستقبل الرياضة المغربية دون التوقف عند الرياضة المدرسية، باعتبارها الخزان الحقيقي للمواهب والنواة الأولى لاكتشاف الأبطال. فالأمر لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم بعض البطولات والمنافسات المدرسية، وإنما يستوجب جعل ممارسة الرياضة منتظمة داخل المؤسسات التعليمية، من التعليم الابتدائي مروراً بالإعدادي والثانوي وصولاً إلى الجامعة، مع توفير التجهيزات والأطر المتخصصة.
فالمدرسة يمكن أن تكون مشتلاً حقيقياً لصناعة الأبطال، من خلال اكتشاف المواهب في سن مبكرة، وصقل مهاراتها وتوجيهها نحو الأندية والجامعات الرياضية. كما ينبغي ألا ينحصر الاهتمام في كرة القدم فقط، بل يجب توسيع قاعدة الألعاب المدرسية لتشمل ألعاب القوى، وفنون الدفاع عن النفس، والجمباز، والسباحة، وغيرها من الرياضات التي يمكن أن تمنح المغرب أبطالاً على المستويين القاري والدولي.
لذا، علينا إعادة النظر في الاستراتيجية التي تُدار بها بعض الرياضات، وإتاحة الفرصة للشباب لتولي مهام التسيير لكونهم الأقرب للأبطال، مع ضرورة التعامل بكل حزم وجدية لضمان عدم لجوئهم إلى الهجرة أو تمثيل دول أخرى.
يجب أن نتحلى جميعاً بروح الوطنية، بدءاً من الوزارة الوصية التي ينبغي عليها مراقبة أداء الجامعات الرياضية، وصولاً إلى هذه الجامعات التي يتوجب عليها استقطاب أطر ذات كفاءة عالية لضمان التكوين المستمر، مع إعطاء الأولوية للكفاءات الوطنية، والاستفادة من الخبرات الدولية الناجحة عند الحاجة. وتُعد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خير دليل على نجاح التخطيط والتكوين والاستثمار في الكفاءات.
كما يجب توسيع قاعدة التكوين للممارسين في كل نوع رياضي، وإزالة كافة العقبات التي قد تحول دون احترافهم، مع ضرورة التزام الأطر الرياضية بالحيادية في اختيار من يستحق تمثيل المغرب في المحافل الدولية والقارية.
وبهذه الخطوات فقط نستطيع بناء منظومة رياضية قوية ومتوازنة يحكمها العدل والشفافية.
وختاماً، يتعين على القائمين على الشأن الرياضي النأي بالرياضة عن التجاذبات السياسية، إذ إن تسييس الرياضة كان دائماً سبباً في تراجعها وإضعافها. فالرياضة يجب أن تبقى مجالاً للتنافس الشريف، واكتشاف المواهب، وصناعة الأبطال، وخدمة الوطن.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت لدينا كل هذه الطاقات والمواهب، وإذا كانت التوجيهات الكبرى قد وضعت منذ سنوات، فلماذا لا تزال بعض رياضاتنا تراوح مكانها؟ وإلى أين تتجه الرياضة المغربية؟



