العمارة والأركيولوجيا في ظل الحماية الإسبانية: دراسة مقارنة بين شمال وجنوب المغرب (1884-1975)
يمثل هذا العمل شواهد معمارية وأبحاث أثرية إسبانية بجنوب وشمال المغرب ما بين سنتي 1884 و1975 : دراسة مقارنة، وهي إحدى الأعمال القليلة التي اهتمت بالتاريخ المقارن في مجال الحماية الإسبانية في شمال وجنوب المملكة المغربية، وبالتالي فهذا المجهود الذي استغرقت مدة إنجازه ثلاث سنوات، تطلب بذل مجهودات مستمرة ومنتظمة أشرف عليها استاذي عبد المحسن شداد المتخصص في التاريخ القديم، والذي تخرج على يده ثلة من الباحثين والأساتذة، واعتزأني كنت أحد طلبته في سلك الماستر تخصص الاركيولوجيا الكلاسيكية، فشكرا لك أستاذي ولبقية الأساتذة في كلية الاداب عبد المالك السعدي كالدكتور محمد الحسروفي والدكتور الحبيبي وبقية الأساتذة.
يدخل هذا العمل في إطار التراكم الإيجابي لفهم قضايا التاريخ المعاصر والراهن من خلال تلك الأسئلة التي حاول الباحثون والمتخصصون من جامعات مختلفة إماطة اللثام عنها، وهي تهم القضايا الراهنة، لفهم الظاهرة الاستعمارية بشكل عام والإدارة الإسبانية على وجه الخصوص، من خلال رصد وتتبع أشكال التواجد الاستعماري وآلياته وأساليب اشتغاله وبنياته الإدارية والعمرانية، وكذا الوقوف عند بعض البحوث والدراسات التي انتجها ضباط وعسكريون وكذلك باحثون، كما تكشف لنا نصوص الباحثون عن طبيعة المجال الجغرافي للاقاليم الشمالية والجنوبية، وبعض التحولات التي أدت إلى تطور المدن والمعمار نموذج سيدي إفني وتطوان والسمارة وشفشاون والقصر الكبير وطنجة، إضافة إلى مسألة ذات أهمية تتجلى في تاريخ الأبحاث الأثرية بالصحراء المغربية، سواء بمجال واد نون باب الصحراء أو الساقية الحمراء وواد الذهب، وهي أبحاث قام بها دارسون اشتغلوا ميدانيا في مجموعة من المناطق والمواقع ك العصلي بوكرش حوزة، الفرسية وغيرها من المواقع.
وكسؤال : ما الجدوى من هذا العمل الضخم الذي تتجاوز عدد صفحاته 667 ص؟
من خلال قراءة وتتبع المصار والمراجع والخلاصات التي تضمنتها مقالات هذا العمل، والتي تدعونا إلى التفكير بشكل جماعي في فترة الحماية الإسبانية، وصياغة أسئلة دقيقة بعيدة عن العموميات تساهم في تعزيز فهمنا للتحولات التي شهدتها بلادنا خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفي مسار نشأة وتطور المدن خاصة المتواجدة على الساحل سواءا الأطلسي أو المتوسطي.
– تعزيز فهمنا لمرحلة ما قبل التاريخ، وللمراحل القديمة.
– تثمين التراث المادي خاصة العمران الكولونيالي، والذي يمثل ذاكرة لفترة ما، كما يشكل أحد روافد ازدهار الثقافة والسياحة.
– تطرح كذلك هاته المقالات الكلية موضوعات بدء التفكير فيها في السنوات الأخيرة بشكل موسع، وهي تحولات المجتمع المغربي، وكما هو معلوم فإن الهجرة القروية نحو المدن والتحولات المرتبطة بالتعليم والصحة والقيم والعمل والتربية وحضور المرأة خارج أسوار بيتها، وتطور الأسواق ونمط الاستهلاك بالإضافة إلى تزايد النمو الديمغرافي إلى آخره…..، قد شهد تطورا كبيرا خلال الفترة الأخيرة من مرحلة الحماية، واستمر إلى ما بعد الاستقلال.
فالكتاب الذي نحن بصدد تقديمه لكم، يتخلله مدخل عام للدكتور شداد، ثم تمهيد عام للأستاذ أسامة الزكاري، ثم توطئة جيوتاريخية فيها فصل تمهيدي يقدم الإطارين الجغرافي والتاريخي، وفصلين رئيسيين، يتناول الأول المعمار الإسباني العسكري والمدني خلال فترة الاحتلال الإسباني، في حين يتناول الثاني موضوع الأبحاث الأثرية الإسبانية خلال نفس الفترة، كل فصل ينقسم بدوره إلى مبحثين أحدهما مخصص للأقاليم الشمالية والثاني للأقاليم الجنوبية. كما يحتوي على مجموعة كبيرة من الصور والخرائط والوثائق واللوائح البيبليوغرافية التي تساعد القارئ وترشده في مهمة مواكبة وتعميق البحث وتطويره.
فالبنسبة للمقالات التي اهتمت بشواهد معمارية وأبحاث أثرية إسبانية بجنوب نجد أولا: جغرافية الأقاليم الجنوبية والتي قدمها لنا الباحث مصطفى الحمري من خلال التعريف بمساحة الـمملكة الـمغربية ويضم هذا الحيز الجغرافي ثلاث جهات إدارية -جهة كلميم واد نون، العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب- إذ على ضوء المعطيات الجغرافية المشكلة للمجال يمكن تحديد الأسس التي قام عليها الاستقرار البشري منذ القدم والذي خلف لنا العديد من الشواهد الثقافية المادية التي تعكس التنوع الثقافي واللغوي الذي عرفه تاريخ المنطقة قديما،
هذا في حين يضم الإطار التاريخي مقالين إثنين أولهما موسوم بعنوان: تجليات الضغط الاستعماري على الجنوب المغربي قدمها عبد ربه من خلال الوقوف على أهم الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة مع تزايد الضغط الدول الامبريالية وارسال مستكشفين وقادة عسكريين للتواصل مع السكان ومحاولة فرض الهيمنة، والتطرق الى البوادر الأولى للاحتلال الاسباني وسيطرتها على كل من الداخلة سنة 1884و طرفاية سنة 1916 والكويرة سنة 1920، ثم مرحلة تأسيس جيش التحرير بالجنوب المغربي .
ويمكن تقسيم هاته المرحلة إلى ثلاثة أقسام وهي:
– المرحلة الاولى (1400 – 1934): تميزت باكتشاف المنطقة ومحاولة التغلغل وإيجاد موطأ قدم على طول الساحل الصحراوي لتسهيل أنشطة الصيادين الكناريين واستغلالهم للثروات السمكية، ولهذا ظل الوجود الإسباني مرابطا بالمناطق الساحلية ل “الدخلة- طرفاية- لكويرة”.
– المرحلة الثانية (1934 – 1956): مرحلة التعامل السلمي مع المقاومة، حيث استطاعت إسبانيا السيطرة على المنطقة وبناء مراكز عسكرية جديدة خاصة بالقرب من نقاط الماء والمناطق الحدودية لمراقبة تحركات القبائل.
– المرحلة الثالثة (1956 – 1960): شهدت نشأة جيش التحرير بالجنوب المغربي والعودة لحمل السلاح ضد التواجد الفرنسي بصفة خاصة. بحيث التزمت إسبانيا الحياد في البداية قبل أن ترضخ لضغوطات فرنسا التي أسفرت عن القيام بحملات مشتركة للقضاء على جيش التحرير، والهجوم في معركة مشتركة عرفت بمعركة أُوكِفيون.
والمقال الثاني في هذا المحور فهو للباحث الشيخ حبثي تحت عنوان: الوجود الأجنبي بالجنوب المغربي ومساهمة قبائل أيت أوسى في مواجهته (1912- 1958) : دراسة تاريخية، وتتناول موضوع قبيلة أيتوسى وعلاقاتها مع الاحتلال العسكري الفرنسي والإسباني كنموذج لتعامل الساكنة المحلية في إطارها القبلي مع الواقع الجديد الذي فرضته الإدارة الاستعمارية.
ونجد في الفصل الأول: المعمار الإسباني بشمال وجنوب المغرب خلال فترة الاحتلال، المبحث الأول: دراسة لنماذج من البنايات العسكرية الإسبانية، للباحث مصطفى بن طالب المعنون المباني البنايات العسكرية الإسبانية بإقليم العيون (1938 – 1975)، والذي تناول فيه التطور المعماري العسكري الإسباني بإقليم العيون (مدينة العيون، جماعة المرسى، جماعة الدشيرة)، كما أبرز الباحث أهمية اختيار عيون الساقية الحمراء لبناء أول مركز عسكري إسباني يربط بين إقليم طرفاية والداخل كما تطرق إلى الظروف والسياقات الدولية والإقليمية والوطنية (الحرب الأهلية الإسبانية، الحرب العالمية الثانية، المقاومة وجيش التحرير…) التي أثرت في تطور ونمو العمران العسكري الاسباني بمجال الدراس، لينهي الباحث حديثه في الأخير إلى تصنيف أنواع المباني العسكرية بذكره لخمسة أمثلة وهي 1 المباني المقوسة. 2 المباني مائلة الأسطح. 3 المباني ذات القباب (بصنفيها دائرية القاعدة ومربعة القاعدة). 4المباني ذات النموذج الأمريكي. 5 النموذج الحضري.
أما بخصوص المبحث الثاني: دراسة وجرد للمعمار الإسباني بالمدن المغربية، أولا المدن الجنوبية المغربية، من إنجاز الباحث محمد مولود أمنكور، السمارة: المباني التاريخية بين مرحلتي النشأة والاحتلال الإسباني، والتي وضح من خلالها الباحث مكانة المدينة والتي شهدت العمران عند قدوم الشيخ ماء لعينين إلى أرض الركيبات بمنطقة السمارة خاصة، وذلك رغم أن زاوية الشيخ سيدي الركيبي وزاوية الشيخ سيدي أحمد لعروسي أقدم من ذلك كما هو الحال بالنسبة لدار حوزة التاريخية التي يقال أن من بناها هم بنو حفيان سنة 1498- 1495.
وبعد احتلال الإسبان مدينة السمارة سنة 1935، توافدت أعداد من المستعمرين وأنشؤا تجمعات صغيرة بالسمارة وحوزة واجديرية تضم أحياء سكنية ومدرسة ومستشفى ومجموعة من الثكنات العسكرية. عبر هذا التواجد، تمكنت إدارة الاحتلال من السيطرة على تخوم الصحراء ومراقبة كافة الطرق الصحراوية من الجنوب المغربي إلى موريتانيا والسنغال ووسط الصحراء وشرقها.
وفيما يخص مدينة سيدي إفني: نظرة تاريخية ونماذج من المعمار ذو الأصول المغربية الإسبانية، من إنجاز كل من الباحثين: ذ. نور الدين ازديدات، ذ. محسن شداد، ذ. أحمد أوموس، من خلال عرض نموذج البنايات من قبيل ساحة وحديقة إسبانيا (ساحة الحسن الثاني، حاليا) ومقر”الكولدي” أي المقر الإداري لعمدة المدينة (مقر الجماعة الترابية لسيدي إفني، حاليا)، و كنيسة “سانتا كروز” (محكمة القاضي المقيم، حاليا)، مقر القنصلية الإسبانية (الباكادوريا)، المنزل السفينة El Barco، المستشفى الجامعي (المستشفى الإقليمي)، سينما أفينيدا (Avenida، إقامة الحاكم الإسباني (مقر عامل الإقليم، حاليا)، الميناء المعلق (Teleférico del Puerto). نادي الضباط، الكازينو (قاعة المسيرة الخضراء، حاليا)، شرفة المدينة (Barandia)، فندق الحظ الأحمق (Suerte Loca)، فندق إسبانيا (فندق المنظر الجميل)، المنارة، الثكنة العسكرية،
الفصل الثاني: الأبحاث الأثرية الإسبانية بشمال وجنوب المغرب خلال فترة الاحتلال
من أنجاز كل الباحث مصطفى الحمري، وعبد المحسن شداد، و عادل لعويسد، بعنوان: تاريخ الأبحاث الأثرية الإسبانية: جرد وتقييم، فهو يهم موضوع الأبحاث الأثرية بالأقاليم الجنوبية، فقد إرتئى الباحثون تقسيم مراحل البحث الأثري الإسباني بالصحراء المغربية إلى ثلاث مراحل تتميز كل واحدة منها بسياق سياسي معين أثر إلى حد بعيد في تقدم الأنشطة أو تراجعها. فخلال المرحلة الأولى(1902- 1940): إرهاصات البحث الأثري ، كان حضور الإدارة الإسبانية مقتصرا على بعض المراكز الساحلية كالداخلة، رأس بوجدور، طرفاية وسيدي إفني ، بينما بلغت مراقبتها للأراضي أقصى مستوياتها خلال المرحلة الثانية (1940- 1956): وصفت هاته المرحلة ب إرساء قواعد البحث ، في حين شهدت المرحلة الثالثة انسحاب الإسبان من بعض الجهات الشمالية بعد إعلان استقلال المغرب وما تلا ذاك من أحداث سنتي 1957- 1958. عرفت هاته الفترة تراجع ثم طفرة لم تكتمل، توقف الأبحاث الأثرية في المنطقة لمدة عقد من الزمن.
أما المقال الثاني فهو من إنجاز كل من ذ. السالك مهني وذ. نورالدين ازديدات، بعنوان ، الأبحاث الأثرية حول الفن الصخري بمنطقة أسا الزاك، وفيه يظهر الباحثان أهمية دراسة النقوش الصخریة وما تحتویه من رسومات ورموز تعد مصدرا هاما في معرفة تاریخ البشریة خلال فترات عصور ما قبل التاریخ، ویرجع الفضل إلى المجهودات التي قام بها الباحثون الأثريون الغربيون-فرنسيون وإسبان- أو المغاربة في التعریف بهذا التراث الحضاري العریق. بحيث أبانت الأبحاث الأثریة ولا تزال على أن الجنوب المغربي من أقدم المناطق التي استقر فیها الإنسان ومارس مختلف الأنشطة التي تلبي حاجیاته وتعكس احتكاكه الطویل ببیئته. وتدل هذه النقوش على أن المجتمعات المحلية شهدت حضارة فكریة وعقلیة في فترة ما قبل التاریخ، وهي تعتبر مصدرا رئیسيا للتعرف على الفكر الإنساني آنذاك.
أما بخصوص أخر عمل والمعنون ب نماذج من مواقع ما قبل وما قبيل التاريخ بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة ووادي الذهب من إنجاز كل من ذ. مصطفى الحمري، ذ. محمد مولود بيبا، ذ. حمادي محيمدات، ذ. محمد لمين موراد، فمن خلال هذا المقال تم التطرق إلى المواقع الأثرية التي تعود لعصور ما قبل وما قبيل التاريخ بالمجال المذكور، مع ذكر نماذج لبعض أهم المواقع الأثرية التي تعود لعصور ما قبل وما قبيل التاريخ بالمجال كالآتي. موقع أزريتن و موقع لخبيطة و موقع أخنيفيس و موقع زْمَيْلَة اللًّبن وموقع سبخة العصيلية و موقع سبخة تاروما و موقع تافراوت و موقع كثبان و موقع منطقة لفّام و موقع حاسي لمسيد و موقع أكطي بابا علي و موقع عصلي الحارثي و موقع لامة العصلي و موقع خنكة العصلي و موقع ربيب لحواش و موقع العصلي بوكرش و موقع بريكة سلوان و موقع لغشيوات و موقع سبخة إمليلي و موقع تشكتنت و موقع سبخة أمطال و موقع زميلة أكشار و موقع شاف ولد عطية وغيرها من الواقع.
وختاما إن هذا التقديم الموجزة هو دعوة إلى قراءة هذا العمل وتقديمه في الجامعات والمحافل العلمية الوطنية ليستفيد منه الطلبة والباحثون والمهتمون بالتاريخ المعاصر، كما هو دعوة إلى تعزيز فهمنا للحضور الاسباني بالمغرب، بحيث أن كل الأبحاث سلطة الضوء على فترة الحماية الفرنسية.
وفي النهاية أجدد الشكر والامتنان لاستاذنا شداد محسن على المجهود في التنسيق ولباقي الزملاء ولجامعة عبد المالك السعدي لاخراج هذا العمل للوجود.



