مسرحية “أصاد” جمعية أغورا تضيء جمهور خنيفرة من جديد بين عبق تشيخوف ونفس الهوية الأمازيغية
متابعة : خالد علواني
خنيفرة في عرض ثاني مساء السبت 14 يونيو 2025، احتضنت قاعة “المركب الاجتماعي للقرب” (دار المواطن) بمدينة خنيفرة، العمل المسرحي الاستثنائي “أصاد” الذي قدمته جمعية أغورا للإبداع، وسط حضور وازن ضمن شخصيات رسمية ومدنية، في مقدمتها السيد باشا المدينة وقائد الملحقة الإدارية، إلى جانب جمهور نوعي من المهتمين بالشأن الثقافي.
العمل، المستوحى من نص “الدب” للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، حولته الجمعية إلى سردية محلية أمازيغية، محملة بهوية الأطلس العميقة، في تجربة درامية جمعت بين الترجمة الثقافية والإبداع الخلاق، حيث تحولت شخصية “بوبوفا” إلى امرأة أمازيغية تنطق بوجع الأرض وتناقضاتها، وتجسدت على الخشبة من خلال أداء مبهر للممثلتين سعاد شرف وهاجر ضحى، في شخصيتي “عويشة” و”ثفوشث”، بأداء داخلي مشحون بالتوتر والتمرّد والحنين، ينقل المشاهد بين لحظات من الصمت المحمل بالأسئلة والانفجار العاطفي المفاجئ.
المخرج عبد الله شيشة، الذي أبى إلا أن يشارك أيضا كممثل، قاد العمل نحو أفق رمزي متشعب، حيث أصبح “أصاد” – أو الوحش الأسطوري – رمزا للخوف الاجتماعي المتوارث، كما وصفه بنفسه في تدوينة سابقة: “مجرد بشر يغلفه الخوف والتصور الشعبي، ليصبح رمزا للخرافة التي تورث جيلا بعد جيل”.
الفضاء المسرحي، رغم محدودية القاعة، وظف بذكاء بصري وفني ملحوظ، إذ استعان الفريق بعناصر من الحياة الأطلسية مثل الخيمة والأزياء التقليدية، لتأكيد الانتماء الهوياتي، كما شكل العرض رسالة فنية واضحة حول أهمية الانفتاح على الشارع وتجاوز الحواجز بين الخشبة والجمهور، في ظل غياب بنية تحتية مسرحية حقيقية بالمدينة.
الإضاءة، التي أبدع فيها يوسف ركراكي، لعبت دورا دراميا حقيقيا، حيث استثمر الضوء كأداة تعبير نفسية وليس فقط تقنية، بينما تكفل أحمد تيسي بالإدارة الفنية والموسيقى التصويرية، مضيفا نغمة وجدانية ورافعة درامية، عززت تحول الشخصيات وتوتراتها. أما التوثيق والأنفوغرافيا، التي أشرف عليها أمين موكيل، فقد منحت العرض بعدا جماليا بصريا إضافيا، ساهم في تأثيث المشهد المسرحي.
تنقلت المسرحية بجمهورها بين ضفاف السخرية والوجع، بين الوفاء والخيانة، بين سلطة الذاكرة وسؤال الحرية. وجاءت الحبكة محكمة، مشبعة برمزية كثيفة دون أن تفقد بساطتها أو اتصالها المباشر بجمهور متنوع تفاعل معها بصدق: أطفال، شباب، شيوخ، ومهتمون بالشأن الفني والثقافي، شاركوا لحظة احتفاء جماعي بفن المسرح، متحدين غياب فضاء عرض حقيقي في المدينة.
مسرحية “أصاد” ليست مجرد عرض فني، بل نداء ضمني لإعادة الاعتبار للمسرح في خنيفرة، ولإحداث فضاء قار يحتضن أبناء المدينة ويمنحهم فرصة التعبير الفني. وقد استطاعت “جمعية أغورا”، بقيادة ياسين أحجام وعبد الله شيشة، أن تؤكد مرة أخرى حضورها الثقافي والفني النوعي، وترسيخها لرؤية تجعل من المسرح أداة للحوار والتغيير والانتماء.
وفي هذا السياق، تتقدم هيئة تحرير الجريدة بتهنئة خاصة للفنان ياسين أحجام، أحد الأسماء اللامعة في المشهد الثقافي الوطني، على نيله الإجازة المهنية في مهن المسرح وفنون العرض، في إنجاز مستحق يضاف إلى مسيرته الفنية والأكاديمية، مع خالص التمنيات له ولكل أفراد فريق “أغورا” بمزيد من العطاء والتألق.


