أثار البيان الصادر عن المكتب المحلي للنقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالفقيه بن صالح، نقاشاً واسعاً في الأوساط المحلية، وذلك بعد صدوره على خلفية الجدل الذي رافق تدوينة لمستشار جماعي طرح فيها تساؤلات حول اقتناء الجماعة لعتاد معلوماتي بمبلغ يفوق 77 مليون سنتيم خلال فترة زمنية قصيرة.
وبغض النظر عن مضمون النقاش الدائر حول هذه الصفقة، فإن قراءة متأنية للبيان تطرح عدداً من الملاحظات المرتبطة بطبيعة التدخل النقابي وحدود اختصاصاته، خاصة في سياق نقاش عمومي يتعلق بتدبير الشأن المحلي والمال العام.
أولاً: الخلط بين العمل النقابي والنقاش السياسي
من الملاحظ أن البيان انخرط بشكل واضح في الرد على موقف عبّر عنه منتخب جماعي بخصوص تدبير صفقة عمومية. ورغم أن النقابات تضطلع بدور مهم في الدفاع عن حقوق الموظفين وتحسين ظروف عملهم، فإن دخولها في سجال سياسي بين منتخبين حول أولويات تدبير الميزانية المحلية قد يُفهم على أنه خروج عن الدور النقابي التقليدي.
فالنقاش المرتبط بتقييم الصفقات العمومية وترتيب أولويات الإنفاق يظل في الأصل مجالاً من مجالات النقاش السياسي والمؤسساتي داخل المجالس المنتخبة، حيث يمارس المنتخبون دورهم في المراقبة والمساءلة.
ثانياً: المساس غير المباشر بحرية إبداء الرأي
البيان جاء كرد فعل على تدوينة عبّر فيها مستشار جماعي عن رأيه بخصوص صفقة عمومية، وطرح من خلالها تساؤلات حول الأولويات التنموية للمدينة. ومعلوم أن إبداء الرأي في تدبير المال العام يدخل ضمن صميم النقاش الديمقراطي المشروع، خاصة عندما يصدر عن منتخب يمارس دوراً رقابياً داخل مؤسسة منتخبة.
وفي هذا السياق، فإن أي خطاب قد يُفهم منه محاولة التقليل من مشروعية طرح هذه الأسئلة قد يُفسَّر لدى جزء من الرأي العام على أنه تضييق على النقاش العمومي.
ثالثاً: الانزياح عن جوهر النقاش المطروح
الجدل الذي أثارته التدوينة الأصلية كان يتعلق أساساً بترتيب الأولويات في صرف المال العام، في ظل إكراهات تعيشها المدينة على مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية. غير أن البيان ركز بشكل أساسي على الدفاع عن ضرورة توفير الوسائل التقنية للموظفين، دون التطرق بشكل مباشر إلى المعطيات المرتبطة بالصفقة موضوع الجدل.
هذا التحول في مسار النقاش قد يؤدي إلى إبعاد الاهتمام عن الأسئلة الأصلية المطروحة، والتي تهم أساساً مدى انسجام هذه النفقات مع أولويات التنمية المحلية.
رابعاً: غياب الحياد المطلوب في العمل النقابي
من بين الانتقادات التي أثيرت أيضاً أن البيان قد يعطي الانطباع بوجود نوع من الاصطفاف في نقاش سياسي محلي، وهو أمر قد يؤثر على الصورة التقليدية للنقابات باعتبارها هيئات يفترض أن تحافظ على قدر من الاستقلالية والحياد تجاه الصراعات السياسية داخل المؤسسات المنتخبة.
فالمطلوب من العمل النقابي في مثل هذه السياقات هو الدفاع عن مصالح الموظفين وظروف عملهم، مع تجنب الانخراط المباشر في السجالات السياسية التي قد تُفهم على أنها دعم لطرف دون آخر.
خامساً: إغفال بعض الإشكالات المرتبطة بوضعية الموظفين
المفارقة التي أشار إليها بعض المتابعين للنقاش هي أن الجدل الدائر تطرق أيضاً إلى مسألة تقييم كفاءة موظفي الجماعة ودورهم في إعداد بعض الوثائق التقنية، وهي قضايا ترتبط بشكل مباشر بالوضع المهني للموظفين. وكان من المنتظر، وفق هذا المنطق، أن يتضمن البيان النقابي موقفاً واضحاً في الدفاع عن كفاءة الأطر الإدارية بالجماعة، باعتبار ذلك من صميم العمل النقابي.
إن النقاش الدائر حول تدبير الصفقات العمومية وأولويات الإنفاق المحلي يظل جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية داخل الجماعات الترابية. كما أن للنقابات دوراً أساسياً في الدفاع عن حقوق الموظفين وتحسين ظروف عملهم داخل الإدارة.
غير أن الحفاظ على وضوح الحدود بين العمل النقابي والنقاش السياسي يظل أمراً ضرورياً لتفادي أي لبس قد يؤثر على طبيعة الأدوار المؤسساتية لكل طرف، ولضمان استمرار النقاش العمومي في إطار من الشفافية والمسؤولية، بما يخدم في نهاية المطاف المصلحة العامة وثقة المواطنين في المؤسسات.




