🚨🔴 الهروب إلى الأمام.. حين يختبئ المنتخب خلف “الشرعية الحزبية” ويستبدل المساءلة بالهجوم الشخصي
في الوقت الذي كانت فيه ساكنة إقليم الفقيه بن صالح تنتظر من ممثليها بمجلس جهة بني ملال خنيفرة، تقديم حصيلة شفافة وتوضيحات مسؤولة حول تدبير الشأن العام، اختار أحد نواب رئيس الجهة الرد على مقال صحفي طرح تساؤلات مشروعة حول “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، ببيان اختلط فيه الهجوم الشخصي المجاني بالمغالطات المؤسساتية والقانونية.
إن تفكيك هذا الرد، بعيدا عن لغة الانفعال، يضعنا أمام ظاهرة سياسية مقلقة تتمثل في “الهروب إلى الأمام”، والتنصل من المساءلة الشعبية عبر التستر خلف عباءة الانتماء الحزبي…
🚨أولا: الإفلاس السياسي في مواجهة النقد الموضعي
من المؤسف جدا أن ينحدر الفاعل السياسي، الذي يفترض فيه سعة الصدر وتقبل النقد وتدبير الاختلاف بحكمة، إلى قاموس الشتائم والتشخيص (“عقد”، “حقد”، “أزمات نفسية”). إن اللجوء إلى “شخصنة” النقاش ومهاجمة الكاتب بدل مقارعة الفكرة بالفكرة، هو دليل قاطع على العجز عن تقديم أجوبة مقنعة للرأي العام.
أما رمي الاتهامات المجانية بـ”التحريض على العنف” في محاولة يائسة لشيطنة العمل الصحفي الاستقصائي، فهو تكتيك قديم ومكشوف يهدف إلى ترهيب الأقلام الحرة وإسكات الأصوات التي تقض مضجع التسيير العشوائي. السلطة الرابعة لا تحرض أحدا، بل تضع المرآة أمام الفاعل العمومي ليرى صورته الحقيقية في عيون الساكنة التي أوصلته إلى موقعه. إن الهياج والانفعال في الرد يثبتان أن المقال السابق أصاب كبد الحقيقة ولامس الجرح العميق لغياب الحصيلة.
🚨ثانيا: تفكيك المغالطة المؤسساتية.. حين يلغي “الفرع” أصل الشرعية
بالانتقال إلى الشق “التقني” من الرد، نجد أن السيد نائب الرئيس قد تكلف عناء شرح بديهيات قانونية حول طريقة تشكيل مكاتب مجالس الجهات، في محاولة بائسة لتبرير مقولته بأنه “يمثل الحزب وليس الإقليم” داخل المكتب. وهنا نضع الأصبع على التناقض الجوهري والمغالطة الكبرى:
▪️ 1. الشرعية الأصلية والشرعية الفرعية: صحيح أن تشكيل مكتب المجلس (الرئيس ونوابه) يخضع لمنطق التحالفات الحزبية وتصويت الأعضاء، لكن السيد النائب يتناسى، أو يتجاهل عن قصد، أن دخوله إلى قاعة المجلس الجهوي في المقام الأول لم يكن ليتحقق لولا الأصوات المباشرة لساكنة إقليم الفقيه بن صالح. الشرعية الانتخابية المباشرة (الأصل) هي التي منحت الحزب مقعدا تفاوض به للحصول على النيابة (الفرع). القول بأن “النائب لا يمثل الإقليم في المكتب” هو تنكر صارخ للأصوات التي صنعته، ومحاولة لفصل المنتخب عن قاعدته الجماهيرية بمجرد حصوله على المنصب التنفيذي.
▪️ 2. من يمثل المواطن في المكتب التنفيذي إذن؟ إذا اعتمدنا هذا المنطق الغريب، فهذا يعني أن جميع نواب الرئيس يمثلون أحزابهم فقط، ولا أحد في المكتب المسير (الذي يملك سلطة القرار والتنفيذ والميزانية) يمثل المواطنين وأقاليم الجهة! هذا الفهم ينسف جوهر “الديمقراطية التمثيلية” ويفرغ القوانين التنظيمية للجماعات الترابية من محتواها التنموي والتمثيلي.
▪️ 3. الدستور يعلو على التوازنات الحزبية: التذرع بـ”التوازنات السياسية الداخلية” للتهرب من تقديم الحصيلة للساكنة هو ضرب في العمق للفصل الأول من الدستور المغربي الذي نص صراحة على “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، ولم يستثن مناصب المكاتب المسيرة بحجة “التفويض الحزبي”. الحزب هو إطار للترشح وتنظيم العمل، وليس درعا واقيا يحمي المنتخب من رقابة الناخبين.
إن الإنتماء الحزبي هو آلية ديمقراطية نبيلة، ولكنه لا يجب أن يتخذ “مظلة” للاختباء من شمس المساءلة. ساكنة إقليم الفقيه بن صالح، ومعها الرأي العام الجهوي، لا تهمها الميكانيزمات المعقدة لتوزيع الكراسي داخل المجلس بقدر ما تهمها التنمية، وترافع ممثليها عن قضاياها العادلة في جلب الاستثمارات وفك العزلة.
سنستمر في دورنا الإعلامي، بمهنية ومسؤولية، ولن تثنينا محاولات الترهيب أو دروس “الشرعية التنظيمية” عن ممارسة حقنا الدستوري في الرقابة، لأننا نؤمن بأن الشرعية الوحيدة التي تعلو فوق كل شرعية، هي تلك التي تنبع من صناديق الاقتراع وتخضع لمحكمة الرأي العام.


