الرباط — 22 أبريل 2026
بقلم // المصطفى الجباري
في مساء الأربعاء 22 أبريل 2026، أسدلت الرباط الستار على سنوات من الترقب، معلنة ميلاد صرح ثقافي استثنائي: “المسرح الملكي الكبير بالرباط”. افتتاح لم يكن مجرد قص شريط، بل لحظة فارقة تُعيد تعريف علاقة المدينة بالفن والعمارة.
ترأست حفل الافتتاح صاحبات السمو الملكي الأميرات للا خديجة، وللا مريم، وللا حسناء، مرفوقات بالسيدة بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي. حضور عكس تقاطعاً بين البعد الثقافي والدبلوماسي الناعم، حيث تتحول الفنون إلى لغة مشتركة للحضور الدولي.
المسرح من تصميم المعمارية الراحلة زها حديد، وبدأ تشييده رسمياً في أكتوبر 2014 واكتمل بناؤه عام 2021. يمتد على مساحة 7.1 هكتارات، منها 25,400 متر مربع مبنية.
تصميمه ينفلت من الصلابة التقليدية لصالح انسياب بصري يوحي بالحركة المستمرة، ككتلة معمارية تتماهى مع تدفق وادي أبي رقراق. الواجهات الزجاجية الواسعة تفتح الداخل على الخارج، لتجعل المدينة جزءاً من التجربة المسرحية قبل دخول القاعة.
القاعة الكبرى تتسع لأكثر من 1800 متفرج، وصُممت وفق هندسة صوتية دقيقة تضمن وضوحاً سمعياً في كل نقطة. يضم المسرح أيضاً مدرجاً خارجياً بطاقة استيعابية تصل إلى 7000 متفرج.
التجهيزات التقنية تشمل أنظمة ميكانيكية حديثة لخشبة المسرح تسمح بتغيير الديكور بسرعة، وتقنيات إضاءة رقمية LED قابلة للبرمجة، ونظاماً صوتياً مرناً يتكيف مع الأوبرا والمسرح والحفلات الكبرى. السقف المتحرك يعمل كعاكس صوتي ويعد عنصراً متفرداً في هندسة المؤسسة.
العرض الافتتاحي جمع 76 موسيقياً و40 مطرباً، في تناغم استثنائي بين الأوركسترا الفيلهارمونية للمغرب والأوركسترا السيمفونية الملكية بقيادة دينا بن سعيد.
امتزج “كونشيرتو تشايكوفسكي” ومقطوعات بيزيه وفيردي بالألحان الأندلسية العربية، إلى جانب إبداعات معاصرة للمؤلف إدريس الملومي وعازف العود. كما تألقت مغنية الميزو-سوبرانو حليمة محمدي وسميرة القادري في مقاطع أوبرالية وتراثية.
يقع المسرح على ضفاف نهر أبي رقراق، بجوار صومعة حسان وضريح محمد الخامس وبرج محمد السادس، ضمن برنامج “الرباط مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية”.
المشروع يجسد رؤية الملك محمد السادس التي تجعل من الثقافة ركيزة أساسية في مسار التنمية، وأداة لإنتاج القيمة وتعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية.
من حيث المعمار والتجهيزات والسعة والموقع، يملك المسرح شروطاً قوية جداً للمنافسة. ترسيخ هذه المكانة سيعتمد على نوعية البرمجة في المواسم المقبلة والانفتاح على مختلف الفنون والجمهور.
المسرح الملكي بالرباط لم يُفتتح ككتلة إسمنتية منجزة، بل كمكان امتلأ أخيراً بالموسيقى والجمهور والمعنى. إذا كان للرباط أن تتحدث اليوم بلهجة جديدة، فسيكون هذا المسرح جزءاً أساسياً من تلك اللغة: لغة مدينة تعرف أن العمارة قد تكون بداية، لكن الفن هو الذي يمنحها صوتها الحقيقي.


