فضيحة “السفر عبر الزمن” بجماعة الفقيه بن صالح: صفقة بنصف مليون درهم تُفتح في 2024 وتُوقَّع في 2020!
في سابقة إدارية تثير الكثير من الاستغراب وتطرح علامات استفهام كبرى حول جدية تسيير الشأن العام، وثّقت مستندات رسمية صادرة عن المجلس الجماعي للفقيه بن صالح ما يمكن وصفه بـ “السفر عبر الزمن” في تدبير الصفقات العمومية. وثيقة رسمية تحمل توقيع وخاتم رئيس المجلس الجماعي، تكشف عن تخبط إداري فادح يضع منظومة المراقبة الداخلية للمجلس على المحك.
تفاصيل الوثيقة: أرقام وتواريخ متناقضة
تتعلق الوثيقة بالنتائج النهائية لطلب العروض المفتوح رقم (01/2024)، والخاص بأشغال صيانة نوافير مدينة الفقيه بن صالح، وهي صفقة قابلة للتجديد لثلاث سنوات. وبقراءة فاحصة للمعطيات المضمنة في الجدول، نجد الحقائق التالية:
▪️ تاريخ فتح الأظرفة: 10 شتنبر 2024 على الساعة 11 صباحاً.
▪️تاريخ إنهاء لجنة التقييم لأشغالها: 19 شتنبر 2024 على الساعة الواحدة زوالاً.
▪️ قيمة الصفقة: 501,840.00 درهم (أكثر من نصف مليون درهم) رُست على شركة “OMEGA FLUIDES” بمراكش.
إلى هنا تبدو الأمور اعتيادية، لكن الصدمة تكمن في أسفل الوثيقة؛ حيث ذُيّل المستند بعبارة: “حُرر بالفقيه بن صالح في 19/09/2020”. أي أن الوثيقة تم تحريرها وتوقيعها من طرف رئيس المجلس الجماعي (رحال المكاوي، كما يظهر في الخاتم الرسمي) قبل أربع سنوات كاملة من فتح أظرفة الصفقة التي تتحدث عنها!
أكثر من مجرد “خطأ مطبعي”: دلالات الخلل
إن محاولة تبرير هذه الواقعة بكونها مجرد “خطأ مادي أو مطبعي” هو تبسيط مخل بمسؤولية تدبير المال العام. فهذه الهفوة الصارخة تعكس خللاً هيكلياً يحمل دلالات خطيرة:
▪️ غياب المراقبة القبلية والبعدية: مرور وثيقة مالية بهذا الحجم عبر سلسلة من الموظفين، والمصالح التقنية، وصولاً إلى طاولة الرئيس للتوقيع والمصادقة دون أن ينتبه أحد لهذا الخطأ البديهي، يؤكد وجود “عطب” في آليات التدقيق والمراجعة.
▪️ الاستخفاف بالوثائق الرسمية: توقيع رئيس المجلس على وثائق دون قراءتها أو التمحيص في تواريخها يفرغ “سلطة التوقيع” من محتواها القانوني والرقابي، ويجعلها مجرد إجراء روتيني آلي.
▪️ التبعات القانونية: من الناحية الإدارية والقانونية، يُعتبر هذا المستند معيباً ومطعوناً في صحته، فكيف يمكن لصفقة عمومية أن تُبنى على وثيقة تحمل تاريخاً يسبق وجود الصفقة نفسها بأعوام؟
إن تدبير أكثر من نصف مليون درهم من المال العام لصيانة نوافير المدينة، يتطلب حداً أدنى من الكفاءة، الدقة، والمسؤولية. هذه الواقعة ليست مجرد زلة قلم، بل هي مرآة تعكس نمطاً تسييرياً يفتقر إلى الصرامة.
وأمام هذه التجاوزات الموثقة، بات لزاماً على سلطات الوصاية (وزارة الداخلية ممثلة في عامل الإقليم) التدخل لتفعيل آليات المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حمايةً للمال العام وصوناً لمصداقية الإدارة أمام المواطن الذي فقد ثقته في مجالس تائهة بين سنوات التقويم.



