“البلاد كتعطي غير للبراني”.. هل نعود لـ “جاهلية القبائل” في مغرب يتسع للجميع؟
بقلم: محمد المو
في مغرب اليوم، وبينما نتطلع لبناء مجتمع متماسك وقوي، لا تزال بعض الرواسب المجتمعية القديمة تطل برأسها لتمزق نسيجنا الاجتماعي. في إقليم الفقيه بن صالح، كما في عدد من المدن المغربية الأخرى، تتردد على الألسنة عبارة خطيرة ومسمومة: “البلاد كتعطي غير للبراني”. هذه المقولة، التي تُقال لتبرير فشل محلي أو لتأجيج حقد دفين، تخفي وراءها صراعاً قبلياً مقيتاً وعنصرية لا تليق بديننا ولا بوطنيتنا.
صراع القبائل وأوهام “البراني”
في الفقيه بن صالح، تطفو على السطح بين الفينة والأخرى حساسيات قبلية بين قبائل عريقة كـ بني موسى، بني عمير، وبني شكدال. عوض أن يكون هذا التنوع القبلي مصدر غنى وتكافل، تحول عند البعض إلى جدار تفرقة. يُشار إلى المواطن الوافد من مدينة أو قبيلة أخرى بأصابع الاتهام والريبة، وتُطلق عليه ألقاب تحمل في طياتها تمييزاً واضحاً: “هذا سرغيني”، “هذا مسكيني”، أو ببساطة.. “هذا براني”.
هذا “البراني” الذي يُتهم بأنه يغتني من خيرات المدينة، ما هو في الحقيقة إلا مواطن مغربي، وأخ مسلم، ترك مدينته بحثاً عن رزق حلال أو خدمة للوطن. فهل يعقل أن يصبح السعي وراء الرزق في أرض الله الواسعة، وداخل نفس الوطن، تهمة يُعاقب عليها مجتمعياً؟
🔵 الجاهلية الأولى في ثوب عصري
“عيب أن نعيش في عصرنا هذا الجاهلية الأولى.. يجب أن يحب المسلم أخاه المسلم”. — من خطبة الجمعة
لقد لخص خطيب الجمعة الداء والدواء في كلمات معدودات. إن هذا التمييز القبلي، سواء كان بين أبناء المناطق المختلفة، أو التمييز العنصري المرفوض بين العرب والأمازيغ، هو ارتداد خطير نحو “الجاهلية” التي حاربها الإسلام.
الرسول ﷺ حينما أسس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، لم يبنِها على عصبية الدم أو القبيلة، بل أرسى نظام “المؤاخاة” كأعظم ركيزة مجتمعية.
دروس من المؤاخاة النبوية تصفع واقعنا:
▪️ إسقاط الفوارق: آخى النبي ﷺ بين المهاجرين (الذين نعتبرهم بلغة اليوم “برانيين”) وبين الأنصار (أهل البلد)، فصاروا جسداً واحداً.
▪️ الإيثار بدل الاحتكار: ضرب الأنصار أروع الأمثلة في مشاركة أموالهم وديارهم مع إخوانهم المهاجرين، ولم يقل أحدهم “المدينة كتعطي غير للبراني”.
▪️ العقيدة أقوى من الدم: رسخ الإسلام مبدأ أن رابطة الدين والوطن تتجاوز حدود القبيلة، وقد جسد النبي ﷺ ذلك بمؤاخاته علياً بن أبي طالب لنفسه، ومؤاخاة حمزة لزيد بن حارثة.
أرض الله الواسعة ووطن واحد
إن كل مدينة مغربية، من طنجة إلى الكويرة، هي ملك لكل مغربي ولكل مسلم. خيرات الفقيه بن صالح، وقلعة السراغنة، وكل شبر في هذا الوطن، هي رزق ساقه الله لمن جد واجتهد، سواء كان ابن الدار أو وافداً إليها.
رسالة يجب أن تُفهم:
▪️ لا للتقسيم: عبارات مثل “سرغيني”، “مسكيني”، أو التفرقة بين “عربي” و”أمازيغي” يجب أن تُمسح من قاموسنا اليومي، فهي مصطلحات تفرق ولا تجمع.
▪️ المسلم أخو المسلم: كما علمنا نبينا الكريم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. الإيمان لا يكتمل وفي القلب ذرة من عنصرية أو حسد تجاه أخيك المسلم.
▪️ الكفاءة هي المعيار: الاغتناء والنجاح ليسا حكراً على قبيلة، بل هما ثمرة العمل الجاد. “البراني” الذي نجح في مدينتك هو قصة كفاح يجب أن تُحترم، لا أن تُحارب.
خلاصة القول؛ إن بناء مغرب قوي ومجتمع متماسك لا يمر عبر خنادق القبائل، بل عبر جسور الأخوة. فلنترك هذه العصبيات المنتنة، ولنرتقِ بأخلاقنا إلى مستوى ديننا الحنيف الذي جعلنا إخوة، وإلى مستوى وطننا الذي يتسع للجميع.


