الرماني: قلعة “زعير” التي تصالح بين عراقة التاريخ ورهانات التنمية
بقلم وتعليق: وجدان الحبشاوي
بين منعرجات الهضاب الوسطى، حيث تلتقي زرقة السماء بخضرة المروج الشاسعة، تتربع مدينة الرماني كجوهرة في قلب إقليم الخميسات. ليست مجرد نقطة عبور، بل هي عاصمة قبائل “زعير” الضاربة في عمق التاريخ المغربي، والتي تحاول اليوم رسم مسار جديد يوازن بين هويتها الفلاحية وتطلعاتها التنموية.
عبق التاريخ ونخوة الفروسية
لا يمكن الحديث عن الرماني دون استحضار “النخوة الزعيرية”. هنا، لا يزال صهيل الخيول في مواسم “التبوريدة” يحكي قصص الشجاعة والارتباط بالأرض. فالرماني ليست مجرد جغرافيا، بل هي ثقافة حية تتجسد في كرم أهلها واعتزازهم بإنتاجهم المحلي، من الحبوب الممتازة إلى القطاني التي ذاع صيتها في كل أسواق المملكة، خاصة “عدس الرماني” الذي يعتبر علامة مسجلة بجودته العالية.
مؤهلات طبيعية وجذب سياحي
تتميز المنطقة بمناخ يمنحها جاذبية خاصة، خصوصاً مع وجود الغابات المحيطة التي توفر متنفساً بيئياً نادراً لهواة الطبيعة والقنص. كما أن الانتعاشة التي تشهدها منطقة “البراشوة” المجاورة في مجال الزراعة المستدامة، بدأت تلقي بظلالها الإيجابية على الدائرة ككل، مما يفتح الباب أمام سياحة قروية حقيقية تربط الزائر بالأرض والمنتوج الطبيعي الأصيل.
الواقع السوسيو-اقتصادي: تحديات وآفاق
لكن، وبعيداً عن الصورة الشاعرية، تواجه الرماني تحديات حقيقية تضعها الجريدة تحت المجهر. فرغم المؤهلات الكبيرة، يطالب الساكنة والفاعلون المحليون بضرورة الالتفات لنقاط مفصلية ترهن مستقبل المنطقة:
تثمين المنتوج المحلي: عبر خلق وحدات لتلفيف وتحويل المنتجات الفلاحية محلياً لضمان قيمة مضافة.
البنية التحتية: تجويد الخدمات الصحية وتعزيز الشبكة الطرقية التي تربط المدينة بالمراكز الحضرية الكبرى.
دعم الشباب: تشجيع التعاونيات والمنعشين الشباب للحد من الهجرة وتحفيز الاستقرار الاقتصادي.
الرماني.. وجهة المستقبل؟
إن المتأمل في مسار المدينة يدرك أنها تمتلك المقومات لتصبح قطباً للسياحة الإيكولوجية بامتياز. فبين “مرشوش” بمركز أبحاثها العريق، و”عين السبيت” بأراضيها المعطاءة، يوجد إرث طبيعي وبشري ينتظر استثمارات ذكية لفك العزلة وتحقيق الإقلاع المنشود.
إن مدينة الرماني اليوم تقف في مفترق طرق؛ فبين موروث ثقافي وفلاحي غني وبين إكراهات التنمية، تظل الحاجة ماسة إلى رؤية استراتيجية تجعل من “بلاد زعير” قطباً اقتصادياً متكاملاً، لا يكتفي بالتصوير الفوتوغرافي لجمال طبيعته، بل يترجم هذا الجمال إلى فرص شغل ورفاه اجتماعي لساكنته.
تبقى الرماني مدينة تفتح ذراعيها لكل زائر يبحث عن الأصالة، في انتظار التفاتة تنموية شاملة تستحقها عاصمة الهضاب.


