كفى عبثاً بالمال العام تحت مسمى “الثقافة”.. ملتقى المهاجر بالفقيه بن صالح وتكريس “ريع” التنظيم رغماً عن أنف الحكامة
ملفات صحراوية/ القسم السياسي
بينما يتبجح الخطاب الرسمي بشعارات “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، ويصدح بضرورة “عقلنة النفقات” و”تخليق الحياة العامة”، تصر جزيرات معزولة من التدبير العشوائي في جماعاتنا الترابية على السباحة عكس التيار، مكرسةً ممارسات بائدة تفوح منها رائحة “الريع” و”الامتيازات” غير المشروعة. وما يحدث في كواليس الاستعداد لتنظيم “ملتقى المهاجر” بإقليم الفقيه بن صالح يعد نموذجاً صارخاً لهذا العبث التدبيري الذي يضرب عرض الحائط بكل قيم مغرب الدستور والحكامة الجيدة.
إن تحويل الثقافة إلى مجرد مطية لصرف الاعتمادات المالية لفائدة “جهات محظوظة” بعينها، هو جريمة في حق التنمية، وخيانة للأهداف الرمزية والحضارية للفعل الثقافي. فنجاح أي سياسة ثقافية لم يعد يقاس بعدد المهرجانات أو التظاهرات المنظمة، بل بقدرتها على إحداث أثر مستدام ينعكس على المجتمع والإقتصاد وصورة المجال. فأين هو “الأثر” في ملتقى الفقيه بن صالح، غير أثر استنزاف الميزانيات؟
إن ما يندى له الجبين، هو أن الحلول القانونية والحضارية موجودة على بُعد كيلومترات قليلة. فبينما سلكت “شركة التنمية السياحية لجهة بني ملال خنيفرة” (SOCIETE ATLAS DE DEVELOPPEMENT TOURISTIQUE) مسار الحداثة والشفافية عبر تفعيل مسطرة “طلبات العروض” ونشرها عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية، يصر منظمو ملتقى الفقيه بن صالح على التخندق في خنادق التدبير “التقليدي” المظلم.
هذا الإصرار الغريب على “التعاقد المباشر” بعيداً عن أعين المنصات الرقمية للرقابة المحاسباتية، لا يفسره إلا الرغبة في التهرب من مبادئ المنافسة الشريفة، والتهرب من نزاهة الاختيار المبني على الجودة والسعر. إن هذا التصرف يضع المال العام في خانة “المال السائب” الذي يُدبر بالترضيات والولاءات، في غياب تام أية عدالة مجالية أو عدالة الدعم العمومي.
إن مشروعية النقد اليوم لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وطنية ملحة، خاصة عندما يصبح تنظيم فعل “عام” مجالا مغلقاً أو امتيازاً غير معلن لفائدة نفس “الوجوه” و”الجهات” التي تحتكر التنظيم والخدمات كل سنة. هذا التكريس الفاضح لـ “نفس الوجوه” يطرح تساؤلات حارقة: هل هو عقم في الكفاءات الشبابية والمقاولاتية بالإقليم؟ أم أن منظومة الاحتكار بلغت حداً من التغول لا يسمح بأي تجديد أو تداول للمبادرات؟
إن استمرار هذا العبث يقتل روح المبادرة، ويدمر الثقة في منظومة الدعم العمومي، ويكرس الانطباع بأن العلاقات الشخصية أو النفوذ قد يحلان محل الاستحقاق والكفاءة. إن تنظيم حدث ناجح لم يعد مجرد برنامج فني، بل هو مشروع متكامل يتطلب رؤية ومهارات، وأدوات تسويق وتواصل مهنية، وهي عناصر تغيب عندما يقتصر الرهان على لقطات الصور والتقارير الإعلامية المتفرقة.
لقد حان الوقت لكي يتحمل منظمو ملتقى المهاجر بالفقيه بن صالح مسؤوليتهم التاريخية والقانونية. إن زمن التدبير العشوائي وغير المهيكل قد ولى رغماً عن محاولاتهم تمديد عمره. إن الرهان اليوم ليس فقط على نجاح فقرات الملتقى، بل على “نظافة” و”شفافية” المسارات المالية والإدارية التي تقود لهذا النجاح.
إن الرأي العام المحلي، ومعه الجسم الصحفي المهني، سيظلان يطالبان بإلحاح بضرورة نقل صفقات الملتقى إلى منصة الصفقات العمومية. كما يطالب بنشر خريطة وطنية واضحة لتوزيع الدعم العمومي، مدعومة بالأرقام والوثائق الرسمية. فإتاحة هذه المعطيات لا تخدم فقط مبدأ الشفافية، بل تمكن من تقييم السياسات العمومية على أسس موضوعية.
لا يمكن القبول بأي حال من الأحوال أن تظل أموال الشعب عرضة لممارسات “تبخس” العمل الصحفي الحقيقي وتحوله إلى ريع للمطبلين، في الوقت الذي ترفض فيه الجهات المنظمة باب الحوار ومناقشة الاختلالات. إن أي سياسة لا تضع “الأثر” كمعيار للتقييم، ولا تلتزم الشفافية والمنافسة، هي سياسة فاشلة محكوم عليها بالانقراض في مغرب يبحث عن الإنصاف والتنمية الحقيقية.
فهل ستلقى هذه الصرخة الشديدة اللهجة آذاناً صاغية، أم أن العبث سيستمر رغماً عن أنف الجميع؟


