مكناس — المصطفى الجباري
افتتحت مدينة مكناس التاريخية أبوابها لاستقبال الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب SIAM 2026، والذي يمتد من 20 إلى 28 أبريل الجاري بساحة “صهريج السواني”. دورة استثنائية تمتد لمدة تسعة أيام لأول مرة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتحمل شعار “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية”، في سياق عالمي يطبعه البحث عن حلول مبتكرة لمواجهة التغيرات المناخية وتأمين الغذاء.
تتميز هذه النسخة باختيار جمهورية البرتغال كضيف شرف، مما يعكس عمق العلاقات الثنائية بين الرباط ولشبونة في القطاع الفلاحي، خاصة في مجالي تدبير المياه والابتكار الزراعي. ويشهد المعرض مشاركة قياسية لـ 1500 عارض من 70 دولة، موزعين على عشرة أقطاب تغطي مساحة إجمالية تصل إلى 20 هكتارًا، منها عشرة هكتارات مغطاة، مما يجعله المنصة الفلاحية الأكبر في القارة الإفريقية ومنطقة حوض المتوسط.
يركز الملتقى في جوهره على تنزيل أهداف استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030″، حيث تُسلّط الدورة الضوء على عصرنة قطاع الثروة الحيوانية والصحة الحيوانية وتحسين الأداء التقني لوحدات تربية الماشية. وفي تصريح للصحافة، أكد مسؤولون بوزارة الفلاحة أن الدورة تسعى لتقديم إجابات عملية حول سبل الرفع من الإنتاجية الوطنية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية، لا سيما في ظل توالي سنوات الجفاف.
يتوزع المعرض على عشرة أقطاب حيوية، أبرزها:
قطب المنتوجات المجالية: حضور قوي للتعاونيات المغربية لعرض “كنوز” الأرض من زيوت وأركان وعسل.
القطب الدولي: يجمع كبريات الشركات العالمية في مجال التكنولوجيا الزراعية والري الذكي.
قطب الثروة الحيوانية: يستعرض سلالات منتقاة تهدف إلى تعزيز سلاسل الإنتاج.
القطب الرقمي: أطلق نداء “Featured AgriTech Solution” لعرض الحلول التكنولوجية الناضجة.
لا يقتصر أثر الملتقى على الجانب الفلاحي، إذ خلقت هذه الدورة أكثر من 12 ألف منصب شغل مؤقت في التنظيم واللوجستيك والضيافة. وسجلت فنادق مكناس نسبة ملء بلغت 100% منذ أسبوع، فيما ضاعفت مطاعم المدينة العتيقة طاقمها. وتتوقع غرفة التجارة توقيع صفقات شراكة واستثمار تفوق 2 مليار درهم، خاصة بين الشركات المغربية والبرتغالية في مجال تحلية المياه الفلاحية والطاقة الشمسية.
القطب الرقمي كان نجم هذه الدورة. فقد عرضت شركات ناشئة مغربية طائرات مسيّرة تُحلّل صحة المحاصيل بالأشعة تحت الحمراء، وحساسات ري ذكية تُخفض استهلاك الماء بـ 40%. واللافت للنظر هو منصة “فلاّح Smart” التي طورتها كفاءات من جامعة الأخوين، وتتيح للفلاح الصغير تحليل عينة من تربته عبر صورة بالهاتف والحصول على وصفة تسميد دقيقة بالذكاء الاصطناعي، مع ربطه مباشرة بالممولين.
في رواق المنتوجات المجالية، تقف فاطمة أوعلي، رئيسة تعاونية “تافوكت” من تازناخت، خلف زعفرانها البيولوجي. تقول فاطمة: “جئنا إلى SIAM 2023 بـ 10 كلغ زعفران، وخرجنا بعقود تصدير لأوروبا. اليوم عدنا بـ 50 كلغ ومنتوج جديد: مربى الزعفران. تضاعف دخل نساء التعاونية ثلاث مرات، وبنينا وحدة تبريد جماعية.” قصة فاطمة تتكرر مع عشرات التعاونيات النسائية التي وجدت في المعرض جسراً من الهامش إلى السوق العالمي.
يحتضن الملتقى أكثر من 40 ندوة ومناظرة علمية بمشاركة خبراء دوليين، لمناقشة قضايا التمويل الفلاحي، والذكاء الاصطناعي في خدمة المزارعين الصغار، وسبل مقاومة المحاصيل للأمراض وتغير المناخ.
ومن المرتقب أن تستقطب هذه الدورة أكثر من مليون زائر، مؤكدة مرة أخرى دور SIAM كموعد لا محيد عنه لرسم ملامح فلاحة المستقبل. فبين صوت الآلات في القطب الدولي وصوت نساء الأطلس في قطب المنتوجات المجالية، تثبت مكناس أن السيادة الغذائية تبدأ من هنا.


