في عالم التدبير المالي للشأن المحلي، تعتبر الصفقات العمومية المرآة العاكسة لمدى نجاعة المجالس المنتخبة في ترشيد نفقات المال العام. غير أن قراءة استقصائية متأنية في وثائق طلبات العروض الخاصة بـ “تنظيم وإرشاد وتنسيق المشاريع” (OPC)، تكشف عن مفارقة صارخة بين عاصمة الجهة بني ملال، ومدينة الفقيه بن صالح، مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير تقييم الكلفة التقديرية للمشاريع، وتستدعي تفعيل المبدأ الدستوري: ربط المسؤولية بالمحاسبة.
بين بني ملال والفقيه بن صالح: تفاوت الأوراش وعكسية الأرقام حيث تعتبر مدينة بني ملال ولاية وعاصمة لجهة بني ملال-خنيفرة، وهي حاضرة تشهد طفرة عمرانية ومشاريع هيكلية كبرى.
فالمدينة تحتضن أكبر تجمع جامعي بالجهة، ومستشفى جهوياً ضخماً، وتعرف أشغال بناء مستشفى جامعي، ناهيك عن الأوراش السياحية الكبرى وعلى رأسها تهيئة منتجع عين أسردون ليصبح قبلة سياحية وطنية.
رغم هذا الزخم الهائل من المشاريع المعقدة والمتشعبة، تظهر الوثائق الرسمية أن المجلس الإقليمي لبني ملال حدد الكلفة التقديرية لطلب العروض المفتوح الدولي (رقم 19/CPBM/2024) الخاص بمهام المساعدة والتنظيم والقيادة والتنسيق (AOPC) لمشاريع الإقليم، في مبلغ معقول ومبرر حدد في 1,526,400.00 درهم (حوالي 153 مليون سنتيم).
في المقابل، وبشكل يثير الاستغراب، نجد أن جماعة الفقيه بن صالح —وهي مدينة لا تقارن إطلاقاً من حيث الحجم أو الدينامية العمرانية أو حجم الاستثمارات بمدينة بني ملال— قد أعلنت عن طلب عروض وطني (رقم 09/2024) لمهام تنظيم وإرشاد وتنسيق المشاريع والمرافقة الإدارية (OPC)، بكلفة تقديرية خيالية بلغت 5,000,000.00 درهم (500 مليون سنتيم).
هذا الرقم الضخم يطرح تساؤلاً جوهرياً يحميه قانون الصحافة والنشر في إطار حق المواطن في الوصول إلى المعلومة: كيف يعقل أن تدفع مدينة صغيرة أكثر من ثلاثة أضعاف ما تدفعه عاصمة الجهة المليئة بالمشاريع الكبرى نظير نفس المهام المتعلقة بـ”تتبع المشاريع”؟
تشريح “كناش التحملات”: جيش من المهندسين لمدينة بانتظار التنمية، للغوص أكثر في مبررات هذا الرقم (500 مليون سنتيم)، يكشف كناش الشروط الخاصة (CPS) لصفقة الفقيه بن صالح عن تفاصيل مثيرة للانتباه. الوثائق تبين أن الجماعة اشترطت توفير فريق عمل ضخم وشبه دائم لمدة 36 شهراً (3 سنوات).
هذا الفريق يضم:
رئيس مشروع (مهندس مدني أقدم) بخبرة 10 سنوات.
مهندس مدني مقيم بخبرة 5 سنوات.
مهندس كهربائي أقدم بخبرة 6 سنوات (لـ 360 يوماً).
تقنيين اثنين (2) في الهندسة المدنية بخبرة 8 سنوات.
إطار قانوني بخبرة 6 سنوات (لـ 360 يوماً).
مساعدة إدارية مقيمة بخبرة 6 سنوات.
وتشير المادة 7 من كناش التحملات إلى أن هذا الطاقم سيعمل على أساس 8 ساعات يومياً و5 أيام في الأسبوع.
التحليل النقدي لهذه المعطيات يضع المجلس الجماعي أمام تساؤل مشروع: هل تتوفر جماعة الفقيه بن صالح فعلياً على “محفظة مشاريع” (Portefeuille de projets) بهذا الحجم والتعقيد الذي يستدعي تفويت نصف مليار سنتيم لمكتب دراسات لتوظيف هذا الجيش من المهندسين والتقنيين بدوام كامل لمدة ثلاث سنوات؟
لتقريب الصورة أكثر للمواطن العميري، تظهر وثيقة أخرى متعلقة بطلب عروض رقم (34/2025) لتهيئة التشوير الطرقي (الأفقي والعمودي) بالمدينة، أن الكلفة التقديرية لهذا المشروع الميداني والملموس الذي سيفيد الساكنة مباشرة، حددت في 2,521,440.00 درهم. بمعنى أن ميزانية “تتبع المشاريع على الورق” (5 ملايين درهم) تعادل تقريباً ضعف ميزانية مشروع حقيقي لتجهيز شوارع المدينة بالتشوير.
خلاصة ومطلب رقابي، إن العمل الصحفي الاستقصائي لا يوزع الاتهامات، بل يسلط الضوء على مكامن الخلل بناءً على الوثائق الدامغة. إن التفاوت الصارخ بين 153 مليون سنتيم في بني ملال و500 مليون سنتيم في الفقيه بن صالح لمهام متشابهة، يجعل من المطالبة بتدخل المجلس الأعلى للحسابات ضرورة ملحة.
الساكنة اليوم بحاجة إلى مشاريع تنموية ملموسة، وإلى ترشيد حقيقي لنفقات الجماعة. إن الموافقة على رصد نصف مليار سنتيم لمجرد “التتبع والمرافقة” يتطلب من رئاسة المجلس الجماعي للفقيه بن صالح خروجاً إعلامياً عاجلاً لتوضيح الجدوى الاقتصادية والتقنية من هذه الصفقة، والكشف بشفافية تامة عن طبيعة هذه المشاريع العملاقة المزعومة التي تستدعي كل هذا الإنفاق من أموال دافعي الضرائب.



