بقلم: محمد المو
في عالم يتسم بتقلبات جيوسياسية متسارعة وتوترات إقليمية متزايدة، لم يعد امتلاك السلاح يقتصر على شراء العتاد من الأسواق الدولية، بل أصبح توطين الصناعات الدفاعية خياراً استراتيجياً يحدد مدى استقلالية الدول وقدرتها على حماية مصالحها. وفي هذا السياق، اختار المغرب أن ينتقل من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التصنيع العسكري، في خطوة تعكس رؤية بعيدة المدى لتعزيز السيادة الوطنية وبناء قوة دفاعية مستدامة.
لقد أظهرت التطورات الدولية في السنوات الأخيرة أن الاعتماد الكلي على استيراد السلاح قد يضع الدول في موقف هش، خاصة في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية أو تغير مواقف الدول المصنعة بفعل الضغوط السياسية. لذلك أصبح امتلاك التكنولوجيا العسكرية محلياً عاملاً حاسماً في ضمان الجاهزية الدفاعية واستقلال القرار السيادي.
ومن هذا المنطلق، شرع المغرب في بناء منظومة صناعية دفاعية متكاملة، مدعومة بإطار قانوني وتنظيمي حديث، أبرزها القانون رقم 10.20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة. وقد فتح هذا الإطار الباب أمام شراكات صناعية دولية تهدف إلى نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية.
وعلى أرض الواقع، بدأت معالم هذه الاستراتيجية تتجسد من خلال مشاريع صناعية مهمة في عدد من المدن المغربية، من بينها برشيد وبنسليمان والدار البيضاء. ففي برشيد، انطلق مشروع تصنيع المدرعات القتالية بشراكة مع شركة “تاتا أدفانسد سيستمز” الهندية، لإنتاج مدرعات WhAP 8×8 الموجهة لتحديث تجهيزات القوات المسلحة الملكية، مع طموح للوصول إلى نسبة إدماج صناعي محلي مرتفعة خلال السنوات المقبلة.
أما في بنسليمان، فقد أصبح قطاع الطائرات المسيرة أحد أبرز محاور التطوير العسكري المغربي، من خلال شراكات مع شركات دولية متخصصة في تكنولوجيا “الدرون”، بما يسمح بإنتاج وصيانة هذه الطائرات محلياً وتطوير قدرات المغرب في هذا المجال الحيوي الذي أصبح عنصراً أساسياً في الحروب الحديثة.
كما تشمل هذه الدينامية الصناعية توطين صناعة الذخائر والعتاد العسكري الخفيف، إلى جانب تطوير قدرات الصيانة والإصلاح للمنظومات الجوية، خصوصاً الطائرات الحربية، في إطار شراكات مع شركات عالمية رائدة في الصناعات الدفاعية.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على البعد العسكري فحسب، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاقتصادي والتنموي. فالصناعة الدفاعية تعتبر من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، القادرة على خلق فرص عمل متخصصة وتشجيع البحث العلمي ونقل التكنولوجيا، فضلاً عن دعم منظومة الصناعات الوطنية المرتبطة بها.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم الطموح المغربي في هذا المجال؛ إذ خصص مشروع قانون المالية لسنة 2026 ميزانية مهمة لإدارة الدفاع الوطني بلغت حوالي 157 مليار درهم، في مؤشر واضح على الإرادة السياسية لتطوير القدرات الدفاعية وتعزيز الصناعة العسكرية الوطنية.
إن توجه المغرب نحو التصنيع العسكري ليس مجرد خيار ظرفي، بل هو جزء من رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء قوة دفاعية حديثة قادرة على حماية الحدود وصون الاستقرار الإقليمي. ومن خلال تنويع شراكاته الدولية والاستثمار في الكفاءات الوطنية، يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي مؤثر يمتلك أدوات قوته بيده.
وبين “الدرون” والمدرعات، وبين التكنولوجيا المتقدمة والعقول المغربية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: السيادة تُصنع ولا تُشترى.






